المدرج الذي سرق اسمه
كل المقالات
مقال 26 أبريل 2026 · 77 قراءة · تُقرأ في دقيقتين

المدرج الذي سرق اسمه

بقلم سعيد الصالحي

اعتدنا أن نسمي المدرج الروماني في عمّان بهذا الاسم، كما لو أن من بناه هم الرومان وحدهم. غير أن “الروماني” لم يكن، في أحسن الأحوال، سوى صاحب ختمٍ يمنح الإذن، لا اليد التي رفعت الحجارة ولا الكتف التي حملت الخشب. ولا نعرف هل نال البنّاؤون أجورهم، أم كانت سواعدهم تُستنزف مقابل كسرة خبز، أو اتقاءً لأسواط مفتّشٍ ثمل بزي رسمي.

من هنا يبرز سؤال بسيط، لكنه مُقلق، لماذا لا نسمّيه مدرّج عمّان؟

لماذا نُبقي صفة مانح الرخصة وإذن الأشغال ونُسقط صفة من صنع وبنى؟

قد يُقال إن في ذلك نزعةً ضيّقة أو محاولةً لمحو طبقات من تاريخ امتدّ لقرون. لكن الأمر، في جوهره، ليس شطبًا للتاريخ، بل توسيعًا له وردًّا له إلى أصحابه المجهولين؛ إلى أولئك الذين حفَروا سفح الجبل بأدوات بسيطة، ونقلوا الحجارة من مقالعها، ومهّدوا الطرق المؤدية إليه. أولئك الذين عملوا بصمت، وتركوا في المدينة أثرًا لا يوقّعونه بأسمائهم.

أريد أن أكتب تاريخ من يشبهوننا، تاريخ الذين لا تذكرهم السجلات، ولا يلتفت إليهم أصحاب المداد والكتبة الذين يلمّعون ما يشاؤون ويطمسون ما يشاؤون، والذين لا يعرفون من التاريخ إلا أسماء الحكّام وعطاياهم.

لم يكن في بال أهل المدينة أن ما تبنيه أيديهم سيعمر أكثر منهم، وأنه سيُمنح لاحقًا أسماءً يبتكرها الكتبة، ويكرّسها العُرف.

في عمّان، تحمل الحجارة نقوشًا وجُملاً مقتضبة، لكنها لا تروي الحكاية كاملة. فهذه مدينة أحبّت الكلام أكثر من الكتابة، وعشقت السمر أكثر من النقش؛ تتباهى بما تقوله الشفاه أكثر مما يُحفر على الجدران. وكأهلها، ما تزال تؤمن أن الكلمة عهد، وأن الحروف—بأي لغة—مواثيق.

لهذا، فإن جبل القلعة، ومسجد أهل الكهف، وسواهما من معالم المدينة، ليست آثارًا فحسب، بل حلقات وصلٍ في ذاكرة حيّة تختزن قصص من عاشوا وعملوا ورحلوا دون أن تُدوَّن أسماؤهم.

إعادة تسمية الأشياء ليست تفصيلًا لغويًا عابرًا، بل فعلٌ يعكس كيف نرى تاريخنا… ولمن نمنحه.

مقال

غزوة حقل الفقوس
مقال

3 نوفمبر 2026

غزوة حقل الفقوس

جيش من الفزاعات، تتصل بعضها ببعض بحبل تتدلى منه علب معدنية فارغة للفول والحمص واللوبياء.

اقرأ المزيد
جلدة جرة الغاز
مقال

31 أكتوبر 2026

جلدة جرة الغاز

لم تغب كلمات صديقي عن وجداني، ولم تفارقني ملامحه الحزينة. وفي اليوم التالي، قررت أن أساعده. ذهبت إلى حارس عمارتنا واستعرت منه جلدة أخرى لجرة الغاز، ثم ألقيت بها إلى جوار المقعد، وتركتها تكتسب بعض الغبار، لعلها تحسن تقمص شخصية الجلدة المفقودة. بعد ذلك، انطلقت إلى منزل صديقي لأقله في مشوار قصير، على أمل أن يعثر مصادفة على جلدته، فيهدأ روعه.

اقرأ المزيد
شوارع بأسماء أخرى
مقال

27 أكتوبر 2026

شوارع بأسماء أخرى

شوارعنا التي وُلدت وشقّت الأرض بالطول والعرض، ونبتت شجيراتها في جزيراتها الوسطية، أخذت تتغير مع الزمن، وتتبدل معالمها واتجاهاتها، وتتآكل جزيراتها كلما كبرت في العمر. ومع ذلك، بقيت أسماء شعبية كثيرة على حالها، بعدما أطلقها أحدنا ذات يوم، وارتضيناها وتداولناها حتى أصبحت جزءًا من ثقافتنا الشفوية المتوارثة.

اقرأ المزيد