ثمة أشياء يفترض أن يتفق البشر على حرمتها، حتى عندما يختلفون في كل شيء آخر. الموت واحد منها، أو هكذا أحببنا أن نعتقد. فالناس، مهما اختلفت معتقداتهم، يحتاجون إلى لحظة يودّعون فيها موتاهم، ويستعينون فيها ببعضهم على احتمال الفقد. لكن أن يتحول الوداع إلى موعد مع موت جديد، داخل دار عبادة يفترض أن يجد فيها الإنسان السكينة، فذلك يعني أننا أمام ما هو أبعد من جريمة؛ أمام إنسان لم يعد يرى في حرمة المكان، ولا في حزن الآخرين، ما يستوجب التردد قبل مضاعفته.
ما حدث في الكرك ليس شأنًا يخص الشهداء وأسرهم وحدهم، بل يمس ثقة الأردنيين جميعًا بقدرتهم على العيش معًا، ويضع أمامنا سؤالًا عن المجتمع الذي نريد أن نعيش فيه. فالوحدة الوطنية ليست عبارة نرفعها بعد المآسي، ثم نعود إلى حياتنا كأن شيئًا لم يحدث. إنها قدرتنا على العيش معًا رغم اختلافاتنا، وعلى حماية حق الآخر في الحياة، حتى عندما لا نتفق معه في شيء.
لكن إدانة الجريمة، على ضرورتها، لا تعفينا من التفكير في الطريق الذي يقود الإنسان إليها. فالتطرف لا يبدأ دائمًا بسلاح، بل قد يبدأ بفكرة ترفض الآخر، ثم بلغة تنتزع عنه صفته الإنسانية، حتى يصبح قتله، في عقل اختلّت موازينه، فعلًا يمكن تبريره باسم العقيدة أو الواجب أو الحقيقة.
وليس في فهم هذا الطريق عذر للقاتل، ولا انتقاص من مسؤوليته؛ فالمحاسبة واجبة، وملاحقة الجناة وحماية الناس مسؤولية الدولة. لكن مواجهة الإرهاب لا تبدأ عند لحظة إطلاق النار وحدها، بل قبلها بكثير، في البيت والمدرسة ومؤسسات المجتمع، وفي كل خطاب يجعل الكراهية فضيلة، أو يوهم الإنسان بأن اختلاف الآخرين يمنحه حق تقرير مصائرهم.
لا أعرف إن كان في وسعنا أن نمنع كل جريمة، لكنني أعرف أن الأفكار التي لا تجد من يعترض عليها قد تجد، في لحظة ما، من يحملها إلى الشارع ويترجمها إلى دم.
لقد ذهب شهداء الكرك إلى موتاهم، فإذا بالموت يذهب إليهم. وفي دار عبادة، حيث يلتمس الإنسان الطمأنينة، وجدوا من حوّل المكان إلى ساحة للموت. فكيف يمكن لفكرة أن تبلغ من القسوة حدًّا تجعل صاحبها يرى في قتل إنسان آخر فعلًا يستحق أن يُقدم عليه؟
لا يكفي أن ندين الجريمة، ثم ننتظر الجريمة التالية لنجدد إدانتنا. علينا أن نواجه الأفكار التي تجعل القتل ممكنًا، والخطابات التي تمنحه مبرراته، والصمت الذي يترك لها المجال كي تنمو. فالإرهاب لا يقتل ضحاياه وحدهم؛ إنه يحاول أن يقتل فينا الثقة بالإنسان، وأن يجعل الخوف شريكًا دائمًا في حياتنا.
وإذا كان القاتل قد دخل دار العبادة حاملًا الموت، فعلينا ألا نسمح له بأن يغادرها وقد أخذ معه إيماننا بأن الإنسان، مهما اختلفنا معه، يستحق أن يعيش.