كنت أسير بين المكاتب في الشركة وأدندن بصوت خفيض "على حسب وداد قلبي يا بوي" فسمعني أحد الزملاء وسألني ما معنى حسب وداد؟ فقلت له : أي بقدر محبتي سيكون مقدار تحيتي وسلامي لمن أحب، وكان أحد زملائنا العارفين بكل شيء يستمع إلينا وكعادته وبطريقته الاستعراضية الفجة ويصوته الرنان تدخل في الحوار قائلا: ما هذه الفتوة العجيبة والتفسير الغريب لمطلع الأغنية! كلامك غير صحيح يا سيدي فوداد اسم لراقصة كان يحبها أحد الباشوات في صعيد مصر وهي قصة معروفة، فلا تفتي وتتفلسف دون دراسة وبحث، لو كنت تجشمت عناء البحث في محرك بحث الانترنت لما ضللت هذا الزميل الذي يظنك مثقفا وعارفا، وبعد أن فرغ الزميل العارف من خطابه أمسك هاتفه النقال وولج إلى محرك البحث ليقدم لنا الأدلة والقرائن على صحة معلوماته وخطأ وضلال تفسيري للزميل، وعندما بدأت الروابط الالكترونية تنهمر على شاشة هاتفه لتروي غروره نظر إلى الزملاء بفخر ولوح بهاتفه كأنه علم المماليك بعد الانتصار في معركة عين جالوت وقال ناصحا: اتعبوا قليلا وابحثوا قبل أن تسألوا أي شخص، فليس كل من حفظ كلمتين أصبح مثقفا نعتد بكل ما يقول، نظر الزملاء نحوي بشفقة وكأنهم ينتظرون مني الاعتذار أو الانسحاب من القاعة اعترافا بنكستي وهزيمتي المدوية، فقد خسرت النزال الثقافي بالضربة القاضية، تجاهلت نظرات الزملاء نحوي، ووجهت نظراتي وكلماتي نحو زميلي العارف بكل شيء وقلت له: من البديهي بالنسبة لك أيها الزميل بأن هذه الأغنية قد قدمها الفنان عبد الحليم في العام ١٩٦٣ من كلمات الشاعر صلاح ابو سالم وألحان الفنان العبقري بليغ حمدي، كل هذا بالنسبة للعارفين مثلك لن يحمل أي جديد، ولكن مع احترامي لتفسيرك لمعنى مطلع الاغنية فهو تفسير متسرع بعض الشيء، فكيف أصدقك وأكذب عبد الحليم الذي فسرها مثلما قلت أنا في لقاء تلفزيوني مع أحد القنوات التونسية؟ فهل أنت وروابطك العديدة أكثر صدقا من صاحب الأغنية نفسه؟ فمحركات البحث يا سيدي ليست من فصيلة الأنبياء وحسب معرفتي المحدودة لا يأتيها وحي السماء، بل يكتب فيها كل أنواع الناس منهم من يتحرى الموضوعية فيما يكتب، ومنهم من يدس السم بالدسم، ومنهم من يكتب لأجل أن يكتب وحسب، وبالتالي فليس الرابط الاول هو الأصدق وليس الرابط الاكثر مشاهدة هو الحق المطلق. وأمسكت بدوري هاتفي النقال وبحثت عن المقابلة التلفزيونية وأسمعت زملائنا الذين تجمهروا في القاعة لمتابعة هذه المناظرة التي حدثت نتيجة دندنة من صوتي الذي يشبه صوت زعيق بابور الديرة في عشرينات القرن الماضي، وعندما سمع الجميع تفسير الفنان عبد الحليم تحولت الأنظار مرة أخرى نحو الزميل العارف الذي بادرهم بالقول "والله هيك أنا بعرف" وغادر قاعة المناظرة نحو مكتب آخر ليستعرض معرفته الالكترونية هناك. والشاهد فيما حدث بيننا أن صاحبنا العارف كاد يضللنا جميعا، ليس لأنه يمتلك المعلومات الصحيحة بل لأنه امتلك الصوت الأعلى والجرأة في الطرح و الثقة في طرح الموضوع وقدم أدلة سطحية لا يمتلك الجمهور وقتا لتدقيقها والتحقق منها، وكاد يفوز في الجولة لولا أن عبد الحليم رحمه الله كان أكثر تعاطفا مع دندنة زعيق بابور الديرة من قناة زميلنا العارف الفضائية ذات الصوت الرنان والأدلة المرئية. وعلى حسب وداد قلبي أقول لكم سلامات.
مقال
اقرأ أيضًا
مقال
3 نوفمبر 2026
غزوة حقل الفقوس
جيش من الفزاعات، تتصل بعضها ببعض بحبل تتدلى منه علب معدنية فارغة للفول والحمص واللوبياء.
اقرأ المزيد
مقال
31 أكتوبر 2026
جلدة جرة الغاز
لم تغب كلمات صديقي عن وجداني، ولم تفارقني ملامحه الحزينة. وفي اليوم التالي، قررت أن أساعده. ذهبت إلى حارس عمارتنا واستعرت منه جلدة أخرى لجرة الغاز، ثم ألقيت بها إلى جوار المقعد، وتركتها تكتسب بعض الغبار، لعلها تحسن تقمص شخصية الجلدة المفقودة. بعد ذلك، انطلقت إلى منزل صديقي لأقله في مشوار قصير، على أمل أن يعثر مصادفة على جلدته، فيهدأ روعه.
اقرأ المزيد
مقال
27 أكتوبر 2026
شوارع بأسماء أخرى
شوارعنا التي وُلدت وشقّت الأرض بالطول والعرض، ونبتت شجيراتها في جزيراتها الوسطية، أخذت تتغير مع الزمن، وتتبدل معالمها واتجاهاتها، وتتآكل جزيراتها كلما كبرت في العمر. ومع ذلك، بقيت أسماء شعبية كثيرة على حالها، بعدما أطلقها أحدنا ذات يوم، وارتضيناها وتداولناها حتى أصبحت جزءًا من ثقافتنا الشفوية المتوارثة.
اقرأ المزيد