فن الاعتزال
كل المقالات
مقال 25 مارس 2023 · 48 قراءة · تُقرأ في دقيقتين

فن الاعتزال

بقلم سعيد الصالحي

الاعتزال فن وذوق وأخلاق، فهو تماما كقيادة المركبة في طريق مزدحم، فوق شارع متهالك، ويمتلئ بكاميرات المراقبة التي تتحسس اخطائك، وتسجلها في سجلات المخالفات الخاصة بك، ولهذا قررت أن أعتزل كل ما لا يروق لي، وأن أتجنب السير في هذه الطرقات، التي نسيت كم الأشجار المثمرة والحرجية التي زرعتها على جانبيها، حتى أن الشرطي الذي سيخالفني يستظل بإحداها، كنت أزرع الأشجار بكل محبة، وأميط الأذى، وألتزم بروح القانون ونصه، كنت أعشق كل شيء في محيطي، حتى أسماك القرش وأبي الهيلمان، وفجأة وعندما ارتفعت أسعار الفائدة في البنوك خسرت كل من إدخرته من البشر، ولم يبق لي إلا الأناس التي لم تربط قيمتها بالدولار أو سلة عملات.

الاعتزال فن وذوق وأخلاق، كالتدخين الذي كان في الخمسينيات مرحبا به في كل مكان حتى في المستشفيات وفي حجرات المصاعد الضيقة، فلم يكن التدخين قاتلا حينها، أما اليوم فالتدخين في صحراء وادي رم أصبح يؤذي المصطاف في غابات عجلون، وأحيانا أفكر أن كل هذه الحملات على التدخين والسجاير، آخر همّ لها صحتنا وسلامتتا، فالتدخين ليس وحده ما يودي بالحياة، فممارسات بعض الناس تكسر الخاطر ثم تقطع النسل وبعد ذلك تودي بالحياة، ولهذا فقد أقلعت عن بعض الناس واعتزلتها.

الاعتزال فن وذوق وأخلاق، فهو يشبه رياضة الجري، فالبعض يجري باحثا عن اللياقة والصحة، والآخر ساعيا وراء الرغيف وعلبة اللبن، وهناك من يجري هاربا من كل شيء، ومنهم من يجري للتنغيص على الناس، فالجري سنة الحياة، أما أنا فسأوصل الجري نحو عزلتي وعالمي الصغير، عالمي المسطح الذي صممته بكميات محددوة من الهواء، وحرصت ألا ينقلب وألا يلف وألا يدور، ولا تختلف فيه القيم باختلاف الأزمان، ولا يحتاج إلى الاعتدال لأنه لا يعوج أصلا، عالم صغير تتغير فيه المعادلات وتصغر فيه الاحتمالات، عالم جميل كل ما فيه بني على المحبة الحقيقية والتصالح مع الذات والرغبة للعيش بسلام مع العوالم الخارجية الأخرى، ومواصلة الاعتزال التام لكل ما هو مصطنع، وقليل الوفاء وضعيف الذاكرة ولا يحفظ التاريخ.

وتذكروا أن الاعتزال فن وذوق وأخلاق لا يجيده كل من حمل رخصة، لأن الاعتزال قوة ويحتاج إلى الصبر والايمان، وعلى رأي المرحوم عصام رجي “أنا صابر”.

مقال

غزوة حقل الفقوس
مقال

3 نوفمبر 2026

غزوة حقل الفقوس

جيش من الفزاعات، تتصل بعضها ببعض بحبل تتدلى منه علب معدنية فارغة للفول والحمص واللوبياء.

اقرأ المزيد
جلدة جرة الغاز
مقال

31 أكتوبر 2026

جلدة جرة الغاز

لم تغب كلمات صديقي عن وجداني، ولم تفارقني ملامحه الحزينة. وفي اليوم التالي، قررت أن أساعده. ذهبت إلى حارس عمارتنا واستعرت منه جلدة أخرى لجرة الغاز، ثم ألقيت بها إلى جوار المقعد، وتركتها تكتسب بعض الغبار، لعلها تحسن تقمص شخصية الجلدة المفقودة. بعد ذلك، انطلقت إلى منزل صديقي لأقله في مشوار قصير، على أمل أن يعثر مصادفة على جلدته، فيهدأ روعه.

اقرأ المزيد
شوارع بأسماء أخرى
مقال

27 أكتوبر 2026

شوارع بأسماء أخرى

شوارعنا التي وُلدت وشقّت الأرض بالطول والعرض، ونبتت شجيراتها في جزيراتها الوسطية، أخذت تتغير مع الزمن، وتتبدل معالمها واتجاهاتها، وتتآكل جزيراتها كلما كبرت في العمر. ومع ذلك، بقيت أسماء شعبية كثيرة على حالها، بعدما أطلقها أحدنا ذات يوم، وارتضيناها وتداولناها حتى أصبحت جزءًا من ثقافتنا الشفوية المتوارثة.

اقرأ المزيد