اعتذار
كل المقالات
مقال 30 مايو 2023 · 81 قراءة · تُقرأ في دقيقتين

اعتذار

بقلم سعيد الصالحي

ذات يوم عندما كنت في الصف الثاني الابتدائي، انتعلت حذاء ضيقا لأن شكله أعجبني، ولم يكن لدى البائع غير هذه النمرة، فكذبت وأخبرت الجميع أن الحذاء يناسب مقاس قدمي، فأظهر الكل تصديقهم لكذبتي الطفولية، ودفعنا ثمن الحذاء وحملته سعيدا وفرحا بحذائي الجديد وقدرتي على الاقناع، وكنت طوال الطريق أقنع نفسي بأن هذا الحذاء الجميل سيرخي لأنني أحببته، وفي اليوم التالي انتعلت الحذاء ولم أكد أصل إلى رأس الشارع، حتى بت أمشي كالدمية التي يتم تحريكها بواسطة الخيوط في مسرح الدمى، فالحذاء الذي أعجبني لم يرخي في ذلك اليوم ولن يرخي بعدها أبدا، وترك آلاما في روحي قبل أن يتركها على قدمي.

ومنذ ذلك اليوم فأنا لا اعترف بالكثير من النظريات والفرضيات التي تسيطر على حياتنا اليومية، والتي نستقيها من ثقافتنا الشعبية، وكنت حريصا أن أتعلم من كل تجربة خضتها، ولكنني عندما جربت وتعلمت لم اتوقف عن ارتكاب الاخطاء ولكن كل مرة كان يتغير شكل هذه الأخطاء وآثارها والمدة اللازمة لاستيعاب الدرس ومعالجتها، وحتى اليوم ما زالت عملية شراء حذاء جديد أصعب تجاربي الشخصية وأكثرها استنزافا لنفسي، وغالبا ما تعيدني إلى ذلك اليوم الذي تحولت فيه إلى دمية، وكل من يعرفني عن قرب يدرك مدى سعادتي عندما أسير حافي القدمين فحينها أشعر بالحرية والقدرة على التحليق بدون أن يحد هذا الحذاء من رشاقتي بحجة أنه يحمي باطن قدمي أو يزيد من أناقتي.

والحذاء في ثقافتنا الشعبية مذموم مسكين، وغالبا ما نستخدم اسمه بمرادفاته المتعددة في الشتائم وفي التشبيهات السيئة، ونتناسى ما يقدمه لنا من خدمات جليلة، ومن منا يستطيع أن يستغني عنه أو أن يمشي فوق الأسفلت بدونه في الصيف أو الشتاء، فالحذاء هذا أحد ضحايا ثقافتنا الجمعية، التي خلقها لاول مرة شخص ما لم يكن لديه القدرة على انتعال الحذاء أو امتلاكه، فبات هذا الحذاء يشعره بالنقص كلما انتعله الاخرون.

ثقافتنا الشعبية بحاجة للكثير من المراجعات، وعلينا أن نعيد الاعتبار للكثير من الأشياء من أحذية وطناجر وغيرها وكذلك لمخلوقات عديدة أخرى، فثقافتنا الشعبية التي نتناقلها على شكل أمثال وحكم وقصص وحكايات لا بد أن يتم تنخيلها وأن نستثني منها كل ما هو غير صحيح أو دقيق، حتى لا نترك لابنائنا إرثا لا يفيدهم ولا يغنيهم، وحتى يصغر معجم الشتائم إلى بضع كلمات.

وأنا بدوري سأكون شجاعا ولن أخجل وسأقدم اعتذاري للحذاء وأعده أن أتعامل معه منذ اللحظة كما أتعامل مع أي شيء مفيد في حياتي.

مقال

جلدة جرة الغاز
مقال

31 أكتوبر 2026

جلدة جرة الغاز

لم تغب كلمات صديقي عن وجداني، ولم تفارقني ملامحه الحزينة. وفي اليوم التالي، قررت أن أساعده. ذهبت إلى حارس عمارتنا واستعرت منه جلدة أخرى لجرة الغاز، ثم ألقيت بها إلى جوار المقعد، وتركتها تكتسب بعض الغبار، لعلها تحسن تقمص شخصية الجلدة المفقودة. بعد ذلك، انطلقت إلى منزل صديقي لأقله في مشوار قصير، على أمل أن يعثر مصادفة على جلدته، فيهدأ روعه.

اقرأ المزيد
شوارع بأسماء أخرى
مقال

27 أكتوبر 2026

شوارع بأسماء أخرى

شوارعنا التي وُلدت وشقّت الأرض بالطول والعرض، ونبتت شجيراتها في جزيراتها الوسطية، أخذت تتغير مع الزمن، وتتبدل معالمها واتجاهاتها، وتتآكل جزيراتها كلما كبرت في العمر. ومع ذلك، بقيت أسماء شعبية كثيرة على حالها، بعدما أطلقها أحدنا ذات يوم، وارتضيناها وتداولناها حتى أصبحت جزءًا من ثقافتنا الشفوية المتوارثة.

اقرأ المزيد
حين يصبح الموت مناسبة للقتل
مقال

25 أكتوبر 2026

حين يصبح الموت مناسبة للقتل

لا أعرف إن كان في وسعنا أن نمنع كل جريمة، لكنني أعرف أن الأفكار التي لا تجد من يعترض عليها قد تجد، في لحظة ما، من يحملها إلى الشارع ويترجمها إلى دم.

اقرأ المزيد