الأشياء الصغيرة
كل المقالات
مقال 20 أغسطس 2026 · 201 قراءة · تُقرأ في دقيقتين

الأشياء الصغيرة

بقلم سعيد الصالحي

في حافلة تقود إلى وجهات متعددة، كنت أجلس بالقرب من النافذة، أرقب وجوه الذين يستقلونها، وأتمنى أن يجلس إلى جواري شخص لطيف وودود، فربما أحتاج إلى أن أتحدث إليه لبعض الوقت خلال الرحلة. وكنت أدعو ألا يكون من المتذمرين والمنتقدين، أو من تلك الفئة التي لم تخطئ يومًا.

توقفت الحافلة في المحطة الأولى، وصعد من صعد، لكن أحدًا لم يجلس إلى جواري. وحدث الأمر ذاته في المحطات التالية، فأمسكت هاتفي وبدأت أداعب شاشته، ولم أعد ألقي بالًا إلى الوجوه الصاعدة، ولا أعرف كم مر من الوقت، ولا عدد المحطات التي توقفنا عندها. وفجأة اهتز مقعدي، وجلس إلى جواري شخص ضخم، حجب الهواء والرؤية، وحبسني في نصف مقعدي.

وبعد أن التقط أول أنفاسه في الحافلة، تحرك في مقعده فضرب جانبي الأيسر بمرفقه، فشعرت بأنني تلقيت لكمة غير قانونية من ملاكم لا يوافقني وزنًا. وقبيل الوصول إلى المحطة التالية، أسقط هاتفه على الأرض بين قدمي، وفي الفراغ الذي تركه لي للحركة، أخرجت هاتفه من قاع بئر الحافلة بعد عناء ومددته نحوه، فالتقطه بطرف يده البعيدة ودسه في جيب قميصه دون أن ينطق بكلمة شكر.

كان رفيقي في المقعد ضخمًا إلى درجة أن كتفه الأيسر احتل جزءًا من الممر، وكان على الصاعدين والنازلين أن يبتعدوا عن كتفه الذي فرض نفسه مطبًا اصطناعيًا في الحافلة. ولم يكن يكلف نفسه أن يبعد كتفه عن الممر، حتى لو كان ذلك على حساب ما تبقى من مقعدي، فالتصقت بنافذة الحافلة لأفسح مجالًا للعابرين.

وما إن سحب كتفه إلى داخل المقعد، حتى أمال رأسه إلى الممر بدلًا منه، كأنه يمتلك طابو هذا الجزء من الحافلة. عندها بدأ غضبي يكبر، وحاولت أن أبدأ حركة عصيان في المقعد؛ فهذا الرفيق لا يشعر بوجود أحد إلى جواره أو حوله، ويتصرف كأنه صاحب المكان، وأن جميع من حوله طارئون ومؤقتون.

تململت في المقعد وضربته بمرفقي في خاصرته الإسفنجية، فلم يحرك ساكنًا، ولم يشعرني بأي نوع من ردة الفعل. ثم وقفت من مقعدي وأشرت إليه برغبتي في مغادرته، فلم يتحرك، ولم أشعر بأنه سمع أو شاهد رغبتي. بقيت واقفًا بصعوبة حتى توقفت الحافلة في المحطة، وحينها وقف رفيق المقعد، ومد يده ليمسك بي ويخرجني، وقال لي بصوت جميل:

«احمد الله على سلامتك.»

ثم أشار إلى حقيبتي الصغيرة التي كدت أنساها، وقال لي بصوت الفيلسوف العالم:

«لا تنسَ الأشياء الصغيرة في الرحلات الطويلة.»

خرجت من الحافلة وأنا أنظر إلى الرجل الذي ملأ عليّ المقعد والممر والرحلة كلها، وأفكر في كم مرة نظلم الأشياء والناس لأننا نراهم من المقعد الذي نجلس فيه فقط.

لكنني، وأنا أبتعد عن الحافلة، لم أعد أفكر في كتفه العريض، ولا في مرفقه، ولا في هاتفه الذي لم يشكرني عليه. كنت أفكر في حقيبتي الصغيرة التي كدت أنساها، وفي رحلاتنا الطويلة التي ننشغل فيها بما يضايقنا، حتى ننسى الأشياء الصغيرة التي جاءت معنا منذ البداية.

مقال

جلدة جرة الغاز
مقال

31 أكتوبر 2026

جلدة جرة الغاز

لم تغب كلمات صديقي عن وجداني، ولم تفارقني ملامحه الحزينة. وفي اليوم التالي، قررت أن أساعده. ذهبت إلى حارس عمارتنا واستعرت منه جلدة أخرى لجرة الغاز، ثم ألقيت بها إلى جوار المقعد، وتركتها تكتسب بعض الغبار، لعلها تحسن تقمص شخصية الجلدة المفقودة. بعد ذلك، انطلقت إلى منزل صديقي لأقله في مشوار قصير، على أمل أن يعثر مصادفة على جلدته، فيهدأ روعه.

اقرأ المزيد
شوارع بأسماء أخرى
مقال

27 أكتوبر 2026

شوارع بأسماء أخرى

شوارعنا التي وُلدت وشقّت الأرض بالطول والعرض، ونبتت شجيراتها في جزيراتها الوسطية، أخذت تتغير مع الزمن، وتتبدل معالمها واتجاهاتها، وتتآكل جزيراتها كلما كبرت في العمر. ومع ذلك، بقيت أسماء شعبية كثيرة على حالها، بعدما أطلقها أحدنا ذات يوم، وارتضيناها وتداولناها حتى أصبحت جزءًا من ثقافتنا الشفوية المتوارثة.

اقرأ المزيد
حين يصبح الموت مناسبة للقتل
مقال

25 أكتوبر 2026

حين يصبح الموت مناسبة للقتل

لا أعرف إن كان في وسعنا أن نمنع كل جريمة، لكنني أعرف أن الأفكار التي لا تجد من يعترض عليها قد تجد، في لحظة ما، من يحملها إلى الشارع ويترجمها إلى دم.

اقرأ المزيد