الكتاب الذي انتظرته ثلاثين عامًا... «لقد اخترت»
كل المقالات
قراءة نقدية 6 أغسطس 2026 · 86 قراءة · تُقرأ في 3 دقائق

الكتاب الذي انتظرته ثلاثين عامًا... «لقد اخترت»

بقلم سعيد الصالحي

عندما كنت طالبًا في الجامعة كنت أبحث عن بعض المعلومات عن الشهيد كمال ناصر الذي اغتالته يد الصهاينة الآثمة في بيروت في نيسان عام 1973، وخلال تلك السنوات لم أجد كتابًا يتحدث عن سيرته ومسيرة نضاله وكفاحه. وخلال رحلة البحث عن مصدر يتناول هذا الشهيد البطل، وجدت قصيدة الشاعر الكبير معين بسيسو «كان يكتب ثم يشطب»، فقرأت أبياتها مرات عديدة حتى حفظتها عن ظهر قلب، وبدأت أردد مقاطع منها على مسامع زملائي، وأخبرهم بما أعرفه عن البطل الذي كان يكتب ويشطب... الشهيد كمال ناصر.

وقبل عدة أيام كنت أحدث صديقي الناقد سليم النجار بهذه الحكاية، وقلت له، وأنا أشكو ذلك النقص الذي رافقني سنوات طويلة: لماذا لا أجد كتابًا واحدًا شاملًا عن كمال ناصر؟ فما كان منه إلا أن نهض من مقعده، واتجه نحو مكتبته، واختار منها كتابًا أبيض جميلًا، ثم عاد ومده إليّ بصمت، دون أن ينطق بكلمة واحدة.

أمسكت الكتاب بلهفة، وزاد تعجبي عندما وجدت أن صديقي سليم النجار وزميله الأستاذ أديب ناصر قد جمعا كل ما كُتب ونُشر عن هذا الشهيد البطل في كتاب واحد بعنوان «لقد اخترت»، وهو الكتاب الذي صدر قبل نحو عقد من الزمان، عام 2016.

احتضنت الكتاب، وشكرت صديقي على هذه الهدية الثمينة، وعدت إلى منزلي مسرعًا، وبدأت أقرأ صفحاته الثلاثمئة والأربعين، أو لعل الأدق أن أقول إنني بدأت ألتهمها. كانت كلمات اشتاق إليها قلبي منذ أن كنت شابًا يافعًا يبحث عن كمال ناصر فلا يجد إلا شذرات متناثرة هنا وهناك.

ولم أستغرب وأنا أقرأ ما كتبه الساسة والمفكرون والأدباء وكبار شعراء القرن العشرين عنه، فقد أجمعوا جميعًا على أن كلمات كمال ناصر كانت أقوى من رصاص المحتل، وأن عباراته كانت أسرع وصولًا إلى أهدافها من صواريخهم. كانت الكلمة سلاحه، ودرعه، وسبب استشهاده، وسبب خلوده. وما أعجب الكلمة حين تخرج من قلب يؤمن بما يقول ويكتب.

وأنا أقلب صفحات الكتاب لم أكن أفكر في كمال ناصر وحده، بل في سؤال أكبر ظل يرافقني: كم شخصية عربية كبيرة غابت عن ذاكرتنا لأن أحدًا لم يجمع سيرتها في كتاب؟ نحن لا نخسر أبطالنا عندما يستشهدون، بل نخسرهم مرة ثانية عندما نعجز عن حفظ سيرتهم للأجيال الجديدة. ولهذا شعرت وأنا أقرأ «لقد اخترت» أنني لا أمسك كتابًا فحسب، بل أمسك جزءًا من ذاكرة كانت مهددة بالضياع.

وتساءلت بيني وبين نفسي: ماذا لو لم ينهض سليم النجار من مقعده في تلك اللحظة ويضع هذا الكتاب بين يدي؟ كم سنة أخرى كانت ستمضي قبل أن أصل إليه؟ وكم قارئًا ما زال يبحث عن كمال ناصر، ولا يعلم أن هذا السفر الجميل ينتظره على أحد رفوف المكتبات؟

أنا كقارئ أستطيع أن أصف كتاب «لقد اخترت» بأنه موسوعة متكاملة لكل ما كُتب عن هذا الشهيد الحي، الذي ظل، حتى في مماته، يعلمنا درسًا في الوحدة؛ فقد ووري الثرى بين رفاقه في مقبرة إسلامية، ليقول لنا إن دماء الفلسطينيين وأرواحهم لا تفرقها ديانة ولا مذهب، لأن قضية تحرير فلسطين كانت وما زالت أكبر من كل التصنيفات الضيقة.

وستبقى كلمات كمال ناصر جميلة كوجهه، ورشيقة كقامته، وطويلة كسنابل القمح في بلادنا التي ما زالت، في كل صيف، تنتظر أبناءها ليعودوا إليها.

قراءة نقدية

حين يصبح النور رحلة
قراءة نقدية

19 سبتمبر 2026

حين يصبح النور رحلة

قراءة في «وليد يرى النور» للكاتبة باسلة علي اسليم

اقرأ المزيد
رواية «ستائر العتمة»: إرادة تهزم الشك
قراءة نقدية

14 يوليو 2026

رواية «ستائر العتمة»: إرادة تهزم الشك

ليست «ستائر العتمة» للروائي الفلسطيني وليد الهودلي، التي كتب جزءًا كبيرًا منها داخل السجن، رواية عن السجن بقدر ما هي رواية عن إرادة تواجه الشك. وربما لهذا السبب بدت لي مختلفة؛ فهي لا تبدأ بردة فعل على الاحتلال، وإنما تبدأ بالفعل نفسه، ثم تترك للقارئ أن يتابع ما يجره هذا الفعل من أثمان ومعاناة.

اقرأ المزيد
حنظلة” رواية خارج الحدود وسرد يجاور التاريخ
قراءة نقدية

29 يناير 2022

حنظلة” رواية خارج الحدود وسرد يجاور التاريخ

الكاتبة بديعة النعيمي في روايتها "حنظلة" كانت تدفعني لأن أوقف القراءة وأعيد النظر إلى اسمها المكتوب تحت اسم الرواية وتحت خارطة وعلم فلسطين، للتأكد من أن كاتبة هذه الصفحات أنثى، لقد تمكنت الكاتبة بديعة النعيمي من القفز خارج حدودها الأنثوية وخارج حدودها الجغرافية لتحملك عبر آلة الزمن الخاصة بها بين عوالم وفترات زمنية مختلفة كانت فلسطين خلالها هي المشهد وهي المفعول بها في سياق الجملة التاريخية،

اقرأ المزيد