ذاكرة لا تصل إلى اليوم
كل المقالات
مقال 4 يونيو 2026 · 124 قراءة · تُقرأ في دقيقتين

ذاكرة لا تصل إلى اليوم

بقلم سعيد الصالحي

أعجب من هذه المدينة. فلم تستطع عمّان الحديثة أن تحتفظ بمقعد واحد من سينما رغدان، ولا بآلة عرض تغطيها الأتربة من سينما بسمان. واختفت أسماء الأسواق القديمة بسرعة، حتى إن معظم سكان عمّان اليوم سيتوهون قبل أن يصلوا إلى سوق غرناطة، بأدراجه الكهربائية التي كانت يومًا من علامات الحداثة المدهشة في المدينة.

نحن لا نتحدث عن أطلال تعود إلى آلاف السنين، بل عن معالم كانت قبل عقود قليلة عناوين واضحة يهتدي بها التائهون، وأماكن تختزن جزءًا من ذاكرة الناس اليومية. ومع ذلك ابتلعتها المدينة سريعًا، أثرًا وعنوانًا، وربما ذكرى أيضًا.

أعجب من المدينة التي أحبها. فكل طبقة فيها تبدو وكأنها أكلت طبقة أخرى، حتى خُيّل إليّ أحيانًا أن حجارتها كالأسماك؛ يلتهم القوي منها الضعيف. ولعل هذه المفارقة هي ما يجعل أعمدة معبد هرقل ما تزال شامخة كمسلات تصل السماء بالأرض، تروي حكاية الفرق بين الحجر الذي اصطف بمحبة في أثرٍ أراد البقاء، والحجر النفعي الذي توحد مع أقرانه لمصلحة مؤقتة ثم انفض جمعه مع أول تبدل في الزمن.

وكما أقول دائمًا، ليست كل الحجارة سواء وإن أظلتها ذات السماء. فشتان بين أحجار تتكلم، وأخرى جوفاء تموت صامتة دون أن تنطق ولو بجملة واحدة.

ولعل أكثر ما يثير دهشتي في عمّان أنها نجحت في الاحتفاظ بآثار تعود إلى الرومان والإغريق، بينما أخفقت في كثير من الأحيان في الاحتفاظ بذاكرتها القريبة. فبينما ما تزال الحجارة القديمة تخبرنا بأسماء من مروا هنا قبل ألفي عام، تلاشت من الذاكرة الجماعية أسماء أماكن كانت حتى وقت قريب جزءًا من الحياة اليومية للمدينة.

في عمّان ترى مدينة تعرف كيف تحفظ صدى العصور البعيدة، لكنها تتعثر أحيانًا في حفظ ما هو أقرب. مدينة تحفظ للأنباط والرومان والإغريق آثارهم ونقوشهم وأسمائهم على الحجر، لكنها لا تحفظ من شعر حيدر محمود وإبداعه إلا جملة «بحجم بعض الورد»، لأنها كُتبت ذات يوم على الجدران والحجارة… ثم تُركت لتصبح ذكرى عابرة في مدينة تحفظ ما هو أبعد مما تعيشه، وكأنها تتقن حفظ الماضي وتنسى كيف تقرأ حاضرها.

مقال

جلدة جرة الغاز
مقال

31 أكتوبر 2026

جلدة جرة الغاز

لم تغب كلمات صديقي عن وجداني، ولم تفارقني ملامحه الحزينة. وفي اليوم التالي، قررت أن أساعده. ذهبت إلى حارس عمارتنا واستعرت منه جلدة أخرى لجرة الغاز، ثم ألقيت بها إلى جوار المقعد، وتركتها تكتسب بعض الغبار، لعلها تحسن تقمص شخصية الجلدة المفقودة. بعد ذلك، انطلقت إلى منزل صديقي لأقله في مشوار قصير، على أمل أن يعثر مصادفة على جلدته، فيهدأ روعه.

اقرأ المزيد
شوارع بأسماء أخرى
مقال

27 أكتوبر 2026

شوارع بأسماء أخرى

شوارعنا التي وُلدت وشقّت الأرض بالطول والعرض، ونبتت شجيراتها في جزيراتها الوسطية، أخذت تتغير مع الزمن، وتتبدل معالمها واتجاهاتها، وتتآكل جزيراتها كلما كبرت في العمر. ومع ذلك، بقيت أسماء شعبية كثيرة على حالها، بعدما أطلقها أحدنا ذات يوم، وارتضيناها وتداولناها حتى أصبحت جزءًا من ثقافتنا الشفوية المتوارثة.

اقرأ المزيد
حين يصبح الموت مناسبة للقتل
مقال

25 أكتوبر 2026

حين يصبح الموت مناسبة للقتل

لا أعرف إن كان في وسعنا أن نمنع كل جريمة، لكنني أعرف أن الأفكار التي لا تجد من يعترض عليها قد تجد، في لحظة ما، من يحملها إلى الشارع ويترجمها إلى دم.

اقرأ المزيد